فصل: تفسير الآيات (18- 28):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من لطائف وفوائد المفسرين:

قال ابن القيم:
قوله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم}
قال بعض السلف في قوله تعالى: {كلا بل ران! على قلوبهم ما كانوا يكسبون} قال هو الذنب بعد الذنب وقال الحسن هو الذنب على الذنب حتى يعمي القلب وقال غيره لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم وأصل هذا أن القلب يصدي من المعصية فاذا زادت غلب الصدي حتي يصيررانا ثم يغلب حتي يصير طبعا وقفلا وختما فيصير القلب في غشاوة وغلاف فاذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس فصار أعلاه أسفله فحينئذ يتولاه عدوه ويسوقه حيث أراد. أ هـ.
وقال أيضا:
وأما الران فقد قال تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} قال أبو عبيدة غلب عليها والخمر ترين على عقل السكران والموت يرون على الميت فيذهب به ومن هذا حديث اسيفع جهينة وقول عمر فأصبح قد رين به أي غلب عليه وأحاط به الرين وقال أبو معاذ النحوي الرين أن يسود القلب من الذنوب والطبع أن يطبع على القلب وهو أشد من الرين والإقفال أشد من الطبع وهو أن يقفل على القلب وقال الفراء كثرت الذنوب والمعاصي منهم فأحاطت بقلوبهم فذلك الرين عليها وقال أبو إسحاق {ران} غطى يقال ران على قلبه الذنب يرين رينا أي غشيه قال والرين كالغشاء يغشى القلب ومثله الغين قلت أخطأ أبو إسحاق فألغين ألطف شيء وأرقه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنه ليغان على قلبي وأني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» وأما الرين والران فهو من أغلظ الحجب على القلب وأكثفها وقال مجاهد هو الذنب على الذنب حتى تحيط الذنوب بالقلب وتغشاه فيموت القلب وقال مقاتل غمرت القلوب أعمالهم الخبيثة وفي سنن النسائي والترمذي من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه وإن زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الران الذي ذكر الله: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}» قال الترمذي هذا حديث صحيح.
وقال عبد الله بن مسعود كلما أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود القلب كله فأخبر سبحانه أن ذنوبهم التي اكتسبوها أوجبت لهم رينا على قلوبهم فكان سبب الران منهم وهو خلق الله فيهم فهو خالق السبب ومسببه لكن السبب باختيار العبد والمسبب خارج عن قدرته واختياره. اهـ.

.تفسير الآيات (18- 28):

قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ كتاب الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كتاب مرقوم (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) على الْأَرَائِكِ ينظرون (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) ختامه مسك وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كان هذا ربما أفهم أنهم يرون جميع عذابهم إذ ذاك، نفاه بقوله: {كلا} أي ليس هو المجموع بل هو فرد من الجنس فلهذا عمل عليه الجنس وهو نزلهم والأمر أطم وأعظم من أن يحيط به الوصف.
ولما ذكر ما للمكذبين من العذاب الذي جره إليهم إقبالهم على الدنيا بادئاً به لأن المقام من أول السورة للوعيد وصوادع التهديد، أتبعه ما للمصدقين الذين أقبل بهم إلى السعادة ترك الحظوظ وإعراضهم عن عاجل شهوات الدنيا، فقال مؤكداً لأجل تكذيبهم: {إن كتاب الأبرار} أي صحيفة حسنات الذين هم في غاية الاتساع في شرح صدورهم، واتساع عقولهم وكثرة أعمالهم وزكائها وغير ذلك من محاسن أمورهم {لفي علييّن} أي أماكن منسوبة إلى العلو، وقع النسب أولاً إلى فعليّ ثم جمع وإن كان لا واحد له من لفظه كعشرين وأخواته، قال الكسائي: إذا جمعت العرب ما لا يذهبون فيه إلى أن له بناء من واحد واثنين فإنهم يجمعون بالواو والنون في المذكر والمؤنث- انتهى.
فهي درجات متصاعدة تصعد إلى الله ولا تحجب عنه كما يحجب ما للأشقياء بعضها فوق بعض إلى ما لا نهاية له بحسب رتب الأعمال، وكل من كان كتابه من الأبرار في مكان لحق به كما أن من كان كتابه من الفجار في سجين لحق به.
قال الرازي في اللوامع: من ترقى علمه عن الحواس والأوهام وفعله عن مقتضى الشهوة والغضب فهو حقيق بأن يكون عليّاً، ومن كان علمه وإدراكه مقصوراً على الحواس والخيال والأوهام وفعله على مقتضى الشهوات البهيمية فهو حقيق بأن يكون في سجين.
ولما كان هذا أمراً عظيماً، زاد في تعظيمه بقوله: {وما} أي وأي شيء {أدراك} أي جعلك دارياً وإن بالغت في الفحص {ما علّيون} فإن وصفه لا تسعه العقول ويلزمه لعلوه فضاء مطلق واتساع مبين.
ولما عظم المكان فعلمت عظمة الكتاب، ابتدأ الإخبار عنه على سبيل القطع زيادة في عظمته فقال: {كتاب} أي عظيم {مرقوم} أي فيه أن فلاناً أمن من النار فيا له من رقم ما أحسنه وما أبهاه وما أجمله.
ولما عظمه في نفسه وفي مكانه، عظمه في حضّاره فقال: {يشهده المقربون} أي يحضره حضوراً تاماً دائماً لا غيبة فيه الجماعة الذين يعرف كل أحد أنه ليس لهم عند كل من يعتبر تقريبه إلا التقريب من ابتدائه إلى انتهائه هم شهود هذا المسطور وهم الملائكة يشيعونه من سماء إلى سماء ويحفون به سروراً وتعظيماً لصاحبه ويشهده من في السماوات من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصديقين والشهداء والصالحين، فالآية مع الأولى من الاحتباك: ذكر {سجين} أولاً دال على الاتساع ثانياً، وذكر {عليين} والمقربين ثانياً دال على أسفل سافلين والمبعدين أولاً.
ولما عظم كتابهم بهذه الفضائل، التفتت النفي إلى معرفة حالهم فقال شافياً لعي هذا الالتفات مؤكداً لأجل من ينكر: {إن الأبرار} أي الذين هذا كتابهم {لفي نعيم} أي محيط بهم ضد ما فيه الفجار من الجحيم: ولما كان لا شيء أنعم للإنسان من شيء عال يجلس عليه ويمد بصره إلى ما يشتهي مما لديه، قال مبيناً لذلك النعيم: {على الأرائك} أي الأسرة العالية مع هذا العلو المطلق في الحجال التي يعيي الفكر وصفها لما لها من العلو من ترصيع اللؤلؤ والياقوت وغير ذلك مما لا يدخل تحت الحصر {ينظرون} أي إلى ما يشتهون من الجنان والأنهار والحور والولدان، ليس لهم شغل غير ذلك وما شابهه من المستلذات.
وقال الإمام القشيري: أثبت النظر ولم يبين المنظور إليه لاختلافهم: منهم من ينظر إلى قصوره، ومنهم من ينظر إلى حوره، ومنهم ومنهم، والخواص على دوام الأوقات إلى الله تعالى ينظرون كما أن الفجار دائماً عن ربهم محجوبون.
ولما وصف نعيمهم، أخبر أنهم من عراقتهم فيه يعرفهم به كل ناظر إليهم فقال تعالى: {تعرف} أي أيها الناظر إليهم- هذا على قراءة الجماعة.
وقرأ أبو جعفر ويعقوب بالبناء للمفعول، وهو أدل على العموم {في وجوههم} عند رؤيتهم {نضرة النعيم} أي بهجته ورونقه وحسنه وبريقه وطراوته، من نضر النبات- إذا أزهر ونوّر، وقال الحسن رحمه الله تعالى: النضرة في الوجه والسرور في القلب.
ولما كانت مجالس الأنس لاسيما في الأماكن النضرة لا تطيب إلا بالمآكل والمشارب، وكان الشراب يدل على الأكل، قال مقتصراً عليه لأن هذه السور قصار يقصد فيها الجمع مع الاختصار قال: {يسقون} بانياً له للمفعول دلالة على أنهم مخدومون أبداً لا كلفة عليهم في شيء {من رحيق} أي شراب خالص صاف عتيق أبيض مطيب في غاية اللذة، فإنهم قالوا: إن الرحيق الخمر أو أطيبها أو أفضلها أو الخالص أو الصافي، وضرب من الطيب.
ولا شك أن العاقل لا يشرب الخمر مطلقاً فكيف بأعلاها إلا إذا كان مستكملاً لمقدماتها من مأكول ومشروب وملبوس ومنكوح وغير ذلك، ولما كان الختم لا يكون إلا لما عظمت رتبته وعزت نفاسته، قال مريداً الحقيقة، أو الكناية عن نفاسته: {مختوم} أي فهو مع نفاسته سالم من الغبار وجميع الأقذاء والأقذار.
ولما كان الختم حين الفك لابد أن ينزل من فتاته في الشراب قال: {ختامه مسك} وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن المراد بختامه آخر طعمه، فيحصل أن ختامه في أول فتحه وفي آخر شربه المسك، وذلك يقتضي أن لا يكون يفتحه إلا شاربه، وأنه يكون على قدر كفايته فيشربه كله، والعبارة صالحة لأن يكون الختام أولاً وآخراً، وهو يجري مجرى افتضاض البكر.
ولما كان التقدير: فيه يبلغ نهاية اللذة الشاربون، عطف عليه قوله: {وفي ذلك} أي الأمر العظيم البعيد المتناول وهو العيش والنعيم والشراب الذي هذا وصفه {فليتنافس} أي فليرغب غاية الرغبة بجميع الجهد والاختيار {المتنافسون} أي الذين من شأنهم المنافسة وهو أن يطلب كل منهم أن يكون ذلك المتنافس فيه لنفسه خاصة دون غيره لأنه نفيس جدًّا، والنفيس هو الذي تحرص عليه نفوس الناس وتتغالى فيه.
والمنافسة في مثل هذا بكثرة الأعمال الصالحات والنيات الخالصة.
ولما ذكر الشراب، أتبعه مزاجه على ما يتعارفه أهل الدنيا لكن بما هو أشرف منه، فقال مبيناً لحال هذا المسقي: {ومزاجه} أي يسقون منه والحال أن مزاج هذا الرحيق {من تسنيم} علم على عين معينة وهو- مع كونه علماً- دال على أنها عالية المحل والرتبة، والشراب ينزل عليهم ماؤها من العلو.
وقال حمزة الكرماني: ماؤها يجري على الهواء متنسماً ينصب في أواني أهل الجنة على مقدار الحاجة، فإذا امتلأت أمسك، وهو في الشعر اسم جبل عال وكذا التنعيم وأصله من السنام، ولذلك قطعها مادحاً فقال: {عيناً يشرب بها} أي بسببها على طريقة المزاج منها {المقربون} أي الذين وقع تقريبهم من اجتذاب الحق لهم إليه وقصر هممهم عليه، كل شراب يريدونه، وأما الأبرار فلا يشربون بها إلا الرحيق، وأما غيرهم فلا يصل إليها أصلاً، وقال بعضهم: إن المقربين يشربون من هذه العين صرفاً، والأبرار يمزج لهم منها والفرق ظاهر- هنياً لهم. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{كَلَّا إِنَّ كتاب الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18)}
اعلم أنه تعالى لما ذكر حال الفجار المطففين، أتبعه بذكر حال الأبرار الذين لا يطففون، فقال: {كَلاَّ} أي ليس الأمر كما توهمه أولئك الفجار من إنكار البعث ومن أن كتاب الله أساطير الأولين.
واعلم أن لأهل اللغة في لفظ {عِلّيّينَ} أقوالاً، ولأهل التفسير أيضاً أقوالاً، أما أهل اللغة قال أبو الفتح الموصلي: {عِلّيّينَ} جمع على وهو فعيل من العلو، وقال الزجاج: إعراب هذا الاسم كإعراب الجمع لأنه على لفظ الجمع، كما تقول: هذه قنسرون ورأيت قنسرين.
وأما المفسرون فروي عن ابن عباس أنها السماء الرابعة، وفي رواية أخرى إنها السماء السابعة، وقال قتادة ومقاتل: هي قائمة العرش اليمنى فوق السماء السابعة، وقال الضحاك: هي سدرة المنتهى، وقال الفراء: يعني ارتفاعاً بعد ارتفاع لا غاية له، وقال الزجاج: أعلى الأمكنة، وقال آخرون: هي مراتب عالية محفوظة بالجلالة قد عظمها الله وأعلى شأنها، وقال آخرون: عند كتاب أعمال الملائكة، وظاهر القرآن يشهد لهذا القول الأخير لأنه تعالى قال لرسوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلّيُّونَ} تنبيهاً له على أنه معلوم له، وأنه سيعرفه ثم قال: {كتاب مرقوم يَشْهَدُهُ المقربون} فبين أن كتابهم في هذا الكتاب المرقوم الذي يشهده المقربون من الملائكة، فكأنه تعالى كما وكلهم باللوح المحفوظ فكذلك يوكلهم بحفظ كتب الأبرار في جملة ذلك الكتاب الذي هو أم الكتاب على وجه الإعظام له ولا يمتنع أن الحفظة إذا صعدت بكتب الأبرار فإنهم يسلمونها إلى هؤلاء المقربين فيحفظونها كما يحفظون كتب أنفسهم أو ينقلون ما في تلك الصحائف إلى ذلك الكتاب الذي وكلوا بحفظه ويصير علمهم شهادة لهؤلاء الأبرار، فلذلك يحاسبون حساباً يسيراً، لأن هؤلاء المقربين يشهدون لهم بما حفظوه من أعمالهم، وإذا كان هذا الكتاب في السماء صح قول من تأول ذلك على أنه في السماء العالية، فتتقارب الأقوال في ذلك، وإذا كان الذي ذكرناه أولى.
واعلم أن المعتمد في تفسير هذه الآية ما بينا أن العلو والفسحة والضياء والطهارة من علامات السعادة، والسفل والضيق والظلمة من علامات الشقاوة، فلما كان المقصود من وضع كتاب الفجار في أسفل السافلين، وفي أضيق المواضع إذلال الفجار وتحقير شأنهم، كان المقصود من وضع كتاب الأبرار في أعلى عليين، وشهادة الملائكة لهم بذلك إجلالهم وتعظيم شأنهم، وفي الآية وجه آخر، وهو أن المراد من الكتاب الكتابة، فيكون المعنى أن كتابة أعمال الأبرار في عليين، ثم وصف عليين بأنه كتاب مرقوم فيه جميع أعمال الأبرار، وهو قول أبي مسلم.
أما قوله تعالى: {كتاب مرقوم} ففيه تأويلان أحدهما: أن المراد بالكتاب المرقوم كتاب أعماله.
والثاني: أنه كتاب موضوع في عليين كتب فيه ما أعد الله لهم من الكرامة والثواب، واختلفوا في ذلك الكتاب، فقال مقاتل: إن تلك الأشياء مكتوبة لهم في ساق العرش.
وعن ابن عباس أنه مكتوب في لوح من زبرجد معلق تحت العرش.
وقال آخرون: هو كتاب مرقوم بما يوجب سرورهم، وذلك بالضد من رقم كتاب الفجار بما يسوءهم، ويدل على هذا المعنى قوله: {يَشْهَدُهُ المقربون} يعني الملائكة الذي هم في عليين يشهدون ويحضرون ذلك المكتوب، ومن قال: إنه كتاب الأعمال، قال: يشهد ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين المقربون من الملائكة كرامة للمؤمن.
{إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22)}
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما عظم كتابهم في الآية المتقدمة عظم بهذه الآية منزلتهم، فقال: {إِنَّ الأبرار لَفِى نَعِيمٍ} ثم وصف كيفية ذلك النعيم بأمور ثلاث.
أولها: قوله: {على الأرائك يَنظُرُونَ} قال القفال: الأرائك الأسرة في الحجال، ولا تسمى أريكة فيما زعموا إلا إذا كانت كذلك، وعن الحسن: كنا لا ندري ما الأريكة حتى لقينا رجلاً من أهل اليمن أخبرنا أن الأريكة عندهم ذلك.
أما قوله: {يُنظَرُونَ} ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ينظرون إلى أنواع نعمهم في الجنة من الحور العين والولدان، وأنواع الأطعمة والأشربة والملابس والمراكب وغيرها، قال عليه السلام: «يلحظ المؤمن فيحيط بكل ما آتاه الله وإن أدناهم يتراءى له مثل سعة الدنيا».
والثاني: قال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون في النار.
والثالث: إذا اشتهوا شيئاً نظروا إليه فيحضرهم ذلك الشيء في الحال.
واعلم أن هذه الأوجه الثلاثة من باب أنواع جنس واحد وهو المنظور إليه، فوجب حمل اللفظ على الكل.
ويخطر ببالي تفسير رابع: وهو أشرف من الكل وهو أنهم ينظرون إلى ربهم ويتأكد هذا التأويل بما إنه قال بعد هذه الآية: {تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم} والنظر المقرون بالنضرة هو رؤية الله تعالى على ما قال: {وُجُوهٌ يومئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23 22] ومما يؤكد هذا التأويل أنه يجب الابتداء بذكر أعظم اللذات، وما هو إلا رؤية الله تعال.
وثانيها: قوله تعالى: {تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم}.
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى:
المعنى إذا رأيتهم عرفت أنهم أهل النعمة بسبب ما ترى في وجوههم من القرائن الدالة على ذلك ثم في تلك القرائن قولان:
أحدهما: أنه ما يشاهد في وجوههم من الضحك والاستبشار، على ما قال تعالى: {وُجُوهٌ يومئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضاحكة مُّسْتَبْشِرَةٌ} [عبس: 38- 39].
والثاني: قال عطاء إن الله تعالى يزيد في وجوههم من النور والحسن والبياض ما لا يصفه واصف، وتفسير النضرة: قد سبق عند قوله: {نَّاضِرَةٌ}.
المسألة الثانية:
قرئ: {تَعْرِفُ} على البناء للمفعول {جنات النعيم} بالرفع.
وثالثها: قوله: {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ}.
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى:
في بيان أن الرحيق ما هو؟ قال الليث: {الرحيق} الخمر.
وأنشد لحسان:
بردى يصفق بالرحيق السلسل

وقال أبو عبيدة والزجاج: {الرحيق} من الخمر ما لا غش فيه ولا شيء يفسده، ولعله هو الخمر الذي وصفه الله تعالى بقوله: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ} [الصافات: 47].
المسألة الثانية:
ذكر الله تعالى لهذا: {الرحيق} صفات:
الصفة الأولى: قوله: {رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ}.
وفيه وجوه:
الأول: قال القفال: يحتمل أن هؤلاء يسقون من شراب مختوم قد ختم عليه تكريماً له بالصيانة على ما جرت به العادة من ختم ما يكرم ويصان، وهناك خمر آخر تجري منها أنهار كما قال: {وأنهار مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ للشاربين} [محمد: 15] إلا أن هذا المختوم أشرف في الجاري.
الثاني: قال أبو عبيدة والمبرد والزجاج: المختوم الذي له ختام أي عاقبة.
والثالث: روي عن عبد الله في مختوم أنه ممزوج، قال الواحدي: وليس بتفسير لأن الختم لا يكون تفسيره المزج، ولكن لما كانت له عاقبة هي ريح المسك فسره بالممزوج، لأنه لو لم يمتزج بالمسك لما حصل فيه ريح المسك.
الرابع: قال مجاهد مختوم مطين، قال الواحدي: كان مراده من الختم بالطين، هو أن لا تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار، والأقرب من جميع هذه الوجوه الوجه الأول الذي ذكره القفال.
الصفة الثانية: لهذا الرحيق قوله: {ختامه مسك}.
وفيه وجوه:
الأول: قال القفال: معناه أن الذي يختم به رأس قارورة ذلك الرحيق هو المسك، كالطين الذي يختم به رؤوس القوارير، فكان ذلك المسك رطب ينطبع فيه الخاتم، وهذا الوجه مطابق للوجه الأول الذي حكيناه عن القفال في تفسير قوله: {مَّخْتُومٍ}.
الثاني: المراد من قوله: {ختامه مسك} أي عاقبته المسك أي يختم له آخره بريح المسك، وهذا الوجه مطابق للوجه الذي حكيناه عن أبي عبيدة في تفسير قوله: {مَّخْتُومٍ} كأنه تعالى قال من رحيق له عاقبة، ثم فسر تلك العاقبة فقال: تلك العاقبة مسك أي من شربه كان ختم شربه على ريح المسك، وهذا قول علقمة والضحاك وسعيد بن جبير، ومقاتل وقتادة قالوا: إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه وجد ريحه كريح المسك، والمعنى لذاذة المقطع وذكاء الرائحة وأرجها، مع طيب الطعم، والختام آخر كل شيء، ومنه يقال: ختمت القرآن، والأعمال بخواتيمها ويؤكده قراءة على عليه السلام، واختيار الكسائي فإنه يقرأ: {خاتمه مسك} أي آخره كما يقال: {خاتم النبيين}، قال الفراء: وهما متقاربان في المعنى إلا أن الخاتم اسم والختام مصدر كقولهم: هو كريم الطباع والطابع الثالث: معناه خلطه مسك، وذكروا أن فيه تطيباً لطعمه.
وقيل: بل لريحه وأقول: لعل المراد أن الخمر الممزوج بهذه الأفاويه الحارة مما يعين على الهضم وتقوية الشهوة، فلعل المراد منه الإشارة إلى قوة شهوتهم وصحة أبدانهم، وهذا القول رواه سعيد بن جبير عن الأسود عن عائشة تقول المرأة لقد أخذت ختم طيني، أي لقد أخذت أخلاط طيني، قال أبو الدرداء هو شراب أبيض مثل الفضة، يحتمون به آخر شربهم، لو أن رجلاً من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد طيب ريحه.
الصفة الثالثة:
قوله تعالى: {وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المتنافسون}
قال الواحدي: يقال: نفست عليه الشيء أنفسه نفاسة إذا ضننت به ولم تحب أن يصير إليه، والتنافس تفاعل منه كأن كل واحد من الشخصين يريد أن يستأثر به، والمعنى: وفي ذلك فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله.
واعم أن مبالغة الله تعالى في الترغيب فيه تدل على علو شأنه، وفيه إشارة إلى أن التنافس يجب أن يكون في مثل ذلك النعيم العظيم الدائم، لا في النعيم الذي هو مكدر سريع الفناء.
الصفة الرابعة: قوله تعالى: {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ}.
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
{تسنيم} علم لعين بعينها في الجنة سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه، إما لأنها أرفع شراب في الجنة، وإما لأنها تأتيهم من فوق، على ما روي أنها تجري في الهواء مسنمة فتنصب في أوانيهم، وإما لأنها لأجل كثرة ملئها وسرعته تعلو على كل شيء تمر به وهو تسنيمه، أو لأنه عند الجري يرى فيه ارتفاع وانخفاض، فهو التسنيم أيضاً، وذلك لأن أصل هذه الكلمة للعلو والارتفاع، ومنه سنام البعير وتسنمت الحائط إذا علوته.
وأما قول المفسرين: فروى ميمون بن مهران أن ابن عباس سأل عن {تسنيم}، فقال هذا مما يقول الله: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة:17] ويقرب منه ما قال الحسن: وهو أنه أمر أخفاه الله تعالى لأهل الجنة قال الواحدي: وعلى هذا لا يعرف له اشتقاق وهو اسم معرفة، وعن عكرمة: {مِن تَسْنِيمٍ} من تشريف.
المسألة الثانية:
أنه تعالى ذكر أن {تسنيم} عين يشرب بها المقربون، قال ابن عباس: أشرف شراب أهل الجنة هو تسنيم، لأنه يشربه المقربون صرفاً، ويمزج لأصحاب اليمين.
واعلم أن الله تعالى لما قسم المكلفين في سورة الواقعة إلى ثلاثة أقسام: المقربون، وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، ثم إنه تعالى لما ذكر كرامة المذكورين في هذه السورة بأنه يمزج شرابهم من عين يشرب بها المقربون؛ علمنا أن المذكورين في هذا الموضع هم أصحاب اليمين.
وأقول: هذا يدل على أن الأنهار متفاوتة في الفضيلة، فتسنيم أفضل أنها الجنة، والمقربون أفضل أهل الجنة، والتسنيم في الجنة الروحانية هو معرفة الله ولذة النظر إلى وجه الله الكريم، والرحيق هو الابتهاج بمطالعة عالم الموجودات، فالمقربون لا يشربون إلا من التسنيم، أي لا يشتغلون إلا بمطالعة وجهه الكريم، وأصحاب اليمين يكون شرابهم ممزوجاً، فتارة يكون نظرهم إليه وتارة إلى مخلوقاته.
المسألة الثانية:
عينا نصب على المدح وقال الزجاج: نصب على الحال، وقوله: {يَشْرَبُ بِهَا المقربون} كقوله: {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله} [الإنسان: 6] وقد مر. اهـ.